سيرة
إميل بستاني
وُلد إميل بستاني في دبية في الشوف سنة 1907، في مرحلة صعبة من أواخر العهد العثماني. انطلق من عائلة متواضعة، ثم أصبح عند وفاته سنة 1963، في حادث طائرة مأساوي، واحداً من أبرز رجال الأعمال والفاعلين السياسيين والاقتصاديين في الشرق الأوسط.
بدأ دراسته متأخراً بعض الشيء، لكنه تمكن من بلوغ أعلى المستويات العلمية. تخرج في الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1929، ثم عمل فيها مدرساً للفيزياء، وتابع دراساته حتى نال الماجستير سنة 1932. بعد ذلك أكمل دراسته في الولايات المتحدة، وحصل سنة 1933 على شهادة في الهندسة المدنية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT.
ارتبط اسم عائلة بستاني بتاريخ طويل وغني مع الجامعة الأميركية في بيروت. وقد عبّر إميل لاحقاً عن وفائه للجامعة التي صنعته من خلال تمويل مشاريع عدة، منها مساكن لورا بستاني ومبنى إميل بستاني للفيزياء. كما تولى في مرحلة من المراحل رئاسة جمعية خريجي الجامعة.
العمل العام والاقتصاد
كان إميل بستاني من مؤسسي مجموعة Contracting And Trading، المعروفة باسم CAT، في لبنان. كما خدم بلده وزيراً للأشغال العامة ونائباً في البرلمان اللبناني منذ سنة 1951 وحتى وفاته. وفي أزمة 1958 التي شهدت اضطرابات في لبنان وتدخلاً أميركياً، لعب دوراً مهماً في محاولة تجاوز الأزمة.
كان من الشخصيات القليلة في الشرق الأوسط التي حافظت على علاقات جيدة مع معظم القادة العرب في زمنه. وكان صوته مسموعاً ومقدراً في المنطقة، لما امتلكه من حضور ولباقة وقدرة على التواصل.
امتلك إميل أسطولاً من الطائرات الخاصة، وكانت طائراته معروفة في سماء لبنان. توفي بصورة مأساوية سنة 1963 في انفجار إحدى طائراته قبالة شاطئ بيروت، في حادث اعتبره البعض من أوائل الاعتداءات التي طالت شخصية بارزة في المشرق. وقبل أسابيع قليلة من وفاته، كان قد افتتح في دبية، برفقة صديقه ومستشاره سعيد بستاني، مدفناً خاصاً به في جو من الدعابة والاحتفال. لكن القدر شاء ألا يُعثر على جسده، إذ ابتلعته مياه البحر.
بعد وفاته، أصبحت ابنته ميرنا بستاني أول امرأة تُنتخب نائباً في البرلمان اللبناني، وتولت زوجته لورا إدارة الإمبراطورية الصناعية التي أنشأها.
بناء الجسور
كان إميل بستاني رجل جسور بين الشرق والغرب. وقد بدأ بناء فندق البستان، وكان يأمل أن يجسد فيه حلمه بمكان دائم للقاء بين الحضارتين، مع قاعات مؤتمرات حديثة ومطاعم تعكس متعة الضيافة والثقافة.
في زمن كان فيه لبنان معروفاً أكثر بمصارفه وتجارته، مثّل إميل بستاني وجهاً صناعياً كبيراً في العالم العربي. ومع شركة CAT، أصبح من أبرز رجال الصناعة والمقاولات في المنطقة. وكانت الشركة تعمل خصوصاً في البناء ومد خطوط النفط، وشاركت فرقها من الكويت إلى الجزائر في إنشاء طرق ومدارس وفنادق ومطارات ومشاريع بنية تحتية كبرى.
لم يكن إميل متعلقاً بأمجاد ماضٍ عربي بقدر ما كان يؤمن بإمكان نهضة جديدة. جمع بين المعرفة الهندسية التي اكتسبها في MIT، والخبرة العملية في شركات النفط، وروح العمل الخيري التي أراد من خلالها خدمة لبنان والبلدان المجاورة.
الجامعة والذاكرة
إلى جانب حياته المهنية والسياسية، خصص إميل بستاني اهتماماً كبيراً للتعليم العالي في العالم العربي، ولا سيما الجامعة الأميركية في بيروت. وقد كان عضواً في مجلس أمنائها ورئيساً لجمعية خريجيها، وساهم بسخاء في دعم التعليم العصري للرجال والنساء.
تكريماً لذكراه ولدوره الدائم في التعليم والسلام في الشرق الأوسط، أنشئ سنة 1985 في معهد MIT برنامج يحمل اسمه، هو ندوة بستاني للشرق الأوسط، تحت رعاية مركز الدراسات الدولية في المعهد. ويجمع هذا البرنامج باحثين وصحافيين وخبراء من الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة لمناقشة قضايا السياسة والمجتمع والثقافة والتنمية الاقتصادية والتكنولوجية.
غطت الندوة مجالات متعددة مثل التاريخ والعلوم السياسية والاقتصاد والأنثروبولوجيا والعمارة والدراسات الحضرية والإدارة والهندسة. وكانت محاضرتها الافتتاحية سنة 1985 مع ألبرت حوراني من جامعة أكسفورد، ونُشرت لاحقاً بعنوان عن تطور المجتمع السياسي في لبنان.