سيرة
نكد إلياس بستاني
كان نكد، أكبر أربعة صبيان في عائلته، طفلاً طموحاً، لكنه لم يحظ بفرصة ارتياد المدرسة بسبب تواضع حال أسرته الشديد. وكان أول عمل له أثناء شق الطريق بين المرج والقرى المجاورة في بداية خمسينيات القرن الماضي، حين لم تكن أي طريق تربط المرج بمحيطها. كان عمله يقوم على تكسير الحجارة التي كانت تُفرش كطبقة أساسية قبل صب الإسفلت فوقها. كان ذلك عملاً قاسياً جداً، وكان نكد، وهو ما يزال فتى صغيراً، يكسّر الحجارة بالمطرقة من الصباح حتى المساء.
وعندما انتهى العمل في الطريق، خطرت له مداعبة طريفة. فقد نزل ليلاً على الطريق راكضاً مع أخيه طنوس، وكان أصم وأبكم، حاملاً مصباحاً في يده بينما كان طنوس يطلق صوت بوق عربة. ظن أهل المرج أن سيارة قادمة من دبية نحو برجا، فهرعوا إلى الطريق لرؤيتها. لكن غضبهم انفجر حين اكتشفوا أن الأمر لم يكن سوى نكد وطنوس، ينزلان الطريق بالأضواء والبوق.
عندما بلغ سن الرشد، اصطحبه سعيد بستاني إلى إميل بستاني، رجل الأعمال وصاحب عدة مؤسسات في النقل والأشغال العامة. اقتنع إميل بإرادة نكد وطاقته، فقبل أن يعمل في إحدى مؤسساته في الكويت. وبعد ذلك ساعده على امتلاك ثلاث شاحنات، بدأ نكد يشغّلها لحسابه الخاص.
نجح نكد، وواصل توسيع مشروعه الصغير في أبو ظبي، حتى جعله مؤسسة كبيرة، هي شركة CMC، ضمت مئات الموظفين. كان العاملون لديه يقيمون في مخيمات تحولت مع مرور السنوات إلى قرى صغيرة تكبر حجماً وعدداً.
كان نشاط شركته الأساسي في البناء ونقل معدات البحث والتنقيب عن النفط، ولا سيما نقل الحفارات. وكان هذا العمل شديد الخطورة والدقة، وكانت شركة CMC من المؤسسات القليلة التي امتلكت الخبرة والتقنية اللازمة لهذا النوع من النقل.
بعد بيع شركته ومغادرته الخليج، تولت الشركة التي أسسها ابن عمه شوقي بستاني هذا المجال، وتخصصت بدورها في هذا النوع من النقل في الصحراء.
وبعد مسيرة عرف فيها الصعود والهبوط، كما يحدث في حياة كثير من رجال الأعمال، توفي نكد في حادث شاحنة في ضواحي حلب في سوريا، حيث تأخرت النجدة ولم تتمكن من إنقاذه. وبعد حياة يمكن وصفها بأنها جمعت بين العظمة والانكسار، دُفن نكد في المرج.